مجمع البحوث الاسلامية
492
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
أخر على أنّهم أو بعضا منهم عالمون بحقيقة القرآن وتأويل آياته » . وخلاصة الإشكال ، أنّ السّياق في هذه الآية يتحرّك في دائرة الحديث عن الكتاب وانقسام النّاس حوله ، - كما ذكر - ولكن الظّاهر أنّها - في مقام بيان الموقف منه - تؤكّد أنّ هناك من لا يؤمن بالكتاب ، ويحاول إضلال النّاس البسطاء باستغلال المتشابه من أجل فتنتهم عن دينهم ، وتأويله لمصلحة عقائدهم الباطلة ، من دون أن يملكوا علم ذلك ، لأنّهم لم ينفتحوا عليه انفتاح المؤمن على كتابه المقدّس ، ليتدبّروا آياته ويرجعوا بها إلى معانيها في الواقع ، من خلال مصادر العلم لديهم ، ومنها وحي اللّه وإلهامه في تفسير آياته ، فهم لا يجدون أيّة ضرورة أو أيّ حافز لذلك . وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ فإنّهم انطلقوا في إيمانهم من خلال معرفتهم باللّه وبكتابه ، ولذلك فإنّهم يواجهون المتشابه من موقع إيمانهم ، بأنّ الكتاب من عند اللّه ، في محكمه ومتشابهه ، فلا تختلف آياته ، ولا تتنافر معانيه ، ممّا يجعل بعضه يفسّر البعض الآخر . ولذلك فإنّهم يستخدمون علمهم من أجل أن يؤكّدوا إيمانهم وإيمان النّاس به ، فيعلنونه في موقع حاسم لا مجال للشّكّ فيه ، ليقولوا : آمنّا به ، كلّ من عند ربّنا الّذي جعل المحكم ، الّذي هو أمّ الكتاب ومصدره ومرجعه ، دليلا على المتشابه ، وجعلهما معا نورا وهدى للنّاس ، فليست مسألة تسليم إيمانيّ مجرّد ، بل هو تسليم عقليّ واع في الإيمان ، ولذلك ضمّ المحكم إلى المتشابه ، مع أنّ الإيمان به كان منطلقا من حالة وعي لا من حالة تسليم أعمى ، ممّا يؤكّد هذا الوجه الّذي نرتأيه ، ويذهب إليه جمهرة من الصّحابة كابن عبّاس وبعض القدماء والشّافعيّة ، ومعظم المفسّرين من الشّيعة . إنّ اعتبار التّأويل في الآية مختصّا باللّه ، لا يتناسب مع تفسير العلّامة الطّباطبائيّ للمتشابه : بأنّه « كون الآية بحيث لا يتعيّن مرادها لفهم السّامع بمجرّد استماعها ، بل يتردّد بين معنى ومعنى حتّى يرجع محكمات الكتاب ، فتعيّن هي معناها وتبيّنها بيانا ، فتصير الآية المتشابهة عند ذلك محكمة بواسطة الآية المحكمة ، والآية المحكمة محكمة بنفسها » . فإذا كان المتشابه - في القرآن كلّه - محكما واضحا ببركة المحكم ، فكيف يكون ممّا اختصّ اللّه بعلمه ، كعلم الغيب ، فإنّ الغيب ممّا استأثر اللّه بعلمه ، فلا طريق إليه إلّا من خلاله . أمّا المتشابه ، فيمكن للرّاسخين في العلم أن يعرفوه من خلال ردّه إلى المحكم الّذي يملكون علمه . وقد ذكر الطّبرسيّ صاحب « مجمع البيان » تأييدا للقول بالعطف : « أنّ الصّحابة والتّابعين أجمعوا على تفسير آي القرآن ، ولم نرهم توقّفوا على شيء منه ولم يفسّروه بأن قالوا : هذا متشابه لا يعلمه إلّا اللّه » . وقد ذكر صاحب « الميزان » : أنّ كون الآية ذات تأويل ترجع إليه غير كونها متشابهة ترجع إلى آية محكمة . ولكن يلاحظ على ذلك ، أنّ ذكر التّأويل السّلبيّ لدى الّذين في قلوبهم مرض ، إلى جانب الحديث عن